الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

162

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخلق بمعنى المخلوق . و « امنن » أمر مستعمل في الإذن والإباحة ، وهو مشتق من المنّ المكنّى به عن الإنعام ، أي فأنعم على من شئت بالإطلاق ، أو أمسك في الخدمة من شئت . فالمنّ : كناية عن الإطلاق بلازم اللام ، كقوله تعالى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [ محمد : 4 ] . وجملتا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ معترضتان بين قوله : عَطاؤُنا وقوله : بِغَيْرِ حِسابٍ ، وهو تفريع مقدّم من تأخير . والتقديم لتعجيل المسرة بالنعمة ، ونظيره قوله تعالى من بعد : هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ ص : 57 ] وقول عنترة : ولقد نزلت فلا تظنّي غيره * مني بمنزلة المحب المكرم وقول بشارة : كقائلة إن الحمار فنحّه * عن القتّ أهل السمسم المتهذب مجازا وكناية في التحديد والتقدير ، أي هذا عطاؤنا غير محدد ولا مقتّر فيه ، أي عطاؤنا واسعا وافيا لا تضييق فيه عليك . ويجوز أن يكون بِغَيْرِ حِسابٍ حالا من ضمير « امنن أو أمسك » . ويكون الحساب بمعنى المحاسبة المكنّى بها عن المؤاخذة . والمعنى : امنن أو أمسك لا مؤاخذة عليك فيمن مننت عليه بالإطلاق إن كان مفسدا ، ولا فيمن أمسكته في الخدمة إن كان صالحا . [ 40 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 40 ] وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) تقدم نظيره آنفا في قصة داود وبيان نكتة التأكيد بحرف إِنَّ . [ 41 - 42 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) هذا مثل ثان ذكّر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم إسوة به في الصبر على أذى قومه والالتجاء إلى اللّه في كشف الضر ، وهو معطوف على وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ [ ص : 17 ] ولكونه مقصودا